محمد بن جرير الطبري
93
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها فإنه لم يرخص لموسر ولا معسر أن يمسكها . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها عن الحسن : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " أد الأمانة أداء الأمانات إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك " . فتأويل الآية إذا ، إذ كان الأمر على ما وصفنا : إن الله يأمركم يا معشر ولاة أمور المسلمين أن أداء الأمانات تؤدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم من فيئهم وحقوقهم وأموالهم وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله ، بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له بعد أن تصير في أيديكم ، لا تظلموها أهلها ولا تستأثروا بشيء منها ولا تضعوا شيئا منها في غير موضعه ، ولا تأخذوها إلا ممن أذن الله لكم بأخذها منه قبل أن تصير في أيديكم ؛ ويأمركم إذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بينهم بالعدل والإنصاف ، وذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه وبينه على لسان رسوله ، لا تعدوا ذلك فتجوروا عليهم . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً يعني بذلك جل ثناؤه : يا معشر ولاة أمور المسلمين إن الله نعم الشيء يعظكم به ، ونعمت العظة يعظكم بها في أمره إياكم ، أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وأن تحكموا بين الناس بالعدل إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً يقول : إن الله لم يزل سميعا بما تقولون وتنطقون ، وهو سميع لذلك منكم إذا حكمتم بين الناس ولم تحاوروهم به ، بَصِيراً بما تفعلون فيما ائتمنتكم عليه من حقوق رعيتكم وأموالهم ، وما تقضون به بينهم من أحكامكم بعدل تحكمون أو جور ، لا يخفى عليه شيء من ذلك ، حافظ ذلك كله ، حتى يجازي محسنكم بإحسانه ومسيئكم بإساءته ، أو يعفو بفضله . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ربكم فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، وأطيعوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإن في طاعتكم إياه لربكم طاعة ، وذلك أنكم تطيعونه لأمر الله إياكم بطاعته . كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني طاعة أولي الأمر ، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصا أميري فقد عصاني " . واختلف أهل التأويل في معنى قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فقال بعضهم : ذلك أمر من الله باتباع سنته طاعة الرسول . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا هشيم ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، في قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ قال : طاعة الرسول : اتباع سنته . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يعلى بن عبيد ، عن عبد الملك ، عن عطاء : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ قال : طاعة الرسول : اتباع الكتاب والسنة . وحدثني المثنى ، قال : ثنا سويد ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن عبد الملك ، عن عطاء ، مثله . وقال آخرون : ذلك أطيعوا الرسول أمر من الله ب طاعة الرسول في حياته . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ طاعة الرسول إن كان حيا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : هو أمر من الله بطاعة رسوله طاعة الرسول في حياته فيما أمر ونهى ، وبعد وفاته في اتباع سنته ؛ وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته أطيعوا الرسول ولم يخصص ذلك في حال دون حال ، فهو على العموم حتى يخص ذلك ما يجب التسليم له . واختلف أهل التأويل في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية ، فقال بعضهم هم الأمراء . ذكر من قال ذلك : حدثني أبو السائب سلم بن جنادة ، قال : ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة في قوله : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قال : هم الأمراء . حدثنا الحسن بن الصباح البزار ، قال : ثنا حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، أنه قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ نزلت في رجل بعثه النبي صلى الله